النُسخ البشريَّة!

العجب و كل العجب لذاك الذي يملكُ كل سمات الفرادة و لا يتّخذ لها سبيلًا. يقبل بصفقة "سر مع القطيع و إن أوصلوك لطوفان!".

 يُريح نفسه من إيجاد نفسه، و يكتفي بتتبع بقايا نجاحاتِ الآخرين ليقتات على أكتافهم نجاح و شهرة مزعومة! 
 هو الشخص نفسه الذي يكتب منشورًا على فيسبوك و يختمه بوسم #بقلمي، و لو نطق قلمه لأقرّ أمام الجميع أنّه لم يكتب يومًا إلّا السرقات! و إن حصلت معجزة كونيّة و تلاقت كلماته المسروقة مع صاحب الكلمات الأصليّ، لوجدته يسمّي ذلك: "تخاطرٌ فكريّ!".

 هو الشخص نفسه الذي يُقحم أنفه في حديث بين اثنين يتكلمان عن قضيّة إنسانيّة، بعيد هو كُل البعد عنها. فيحاول أن يُحبط هِمّة المتحدثين بعبارة: " يلي فينا مكفينا يا شباب!". و بعد فترة من الزمن، تجده في محفل اجتماعيّ لكبار الشخصيات يحاضر عن حق الإنسان و عن القضية ذاتها التي استنكرها فيما مضى، و العرق يتصبب منه من فرط حماسه في الحديث، و تجد ابتسامة النصر على وجهه لو أكتملت غايته ووصفه أحد الجالسين بالثائر المناضل! 

 هو الشخص ذاته الذي تجده يقتحم معارض الكتب و الندوات الفكريّة، وينشغل بالتقاط أكبر عدد من الصور لنفسه مع الكتب.. و بعد أن تتم عملية التوثيق يهمّ بالخروج فارغ اليدين من أي كتاب أو رواية. ليعود لمنزله وينشر الصور على حسابه و يقول: حياة بلا كتب، حياةٌ بلا معنى! و ينتظر هجوم الإعجابات على منشوره، لينام منتشيًا من سحر الإعجابات و أثرها على نفسه الغريبة عنه. 

التشابه الأعمى



 أظن أنكم التقطتم فكرتي، و أظن أن الشخص الذي تكلمت عنه منذ قليل موجود بحياتكم بشكلٍ أو بآخر! لكن يجول في بالي سؤال لم أجد جوابًا له حتى اللحظة: هل سرُّ الحياة في التشابه لنستمر؟ أم أنه علينا تقبّل الفرادة و استيعاب أهمية اختلاف كلّ منّا عن الآخر؟ ما الذي يدفعنا لنتظاهر بشيء لسنا نشبهه؟ ما الفائدة من التمثيل على الآخرين؟ أو لنقل بشكل أصحّ: ما الفائدة من تمثيلنا على أنفسنا؟

 الخوف من الاختلاف يتغلغل نفوسنا. نظن بأننا نختار الجانب الأسلم عندما نتشابه و نتطابق. متناسين أن الحياة تزداد جمالًا بازدياد اختلافنا و تنوع اهتماماتنا! من قال أنه علينا أن نظهر دائمًا بمظهر المثقفين قارئي الكتب لنتميّز؟ ماذا عن حبك للرسم؟ أو حبك للموسيقى؟ أو حبك للعمل المسرحيّ الذي يغني مجتمعنا بمفاهيم عميقة؟

 الكاتب. الموسيقار. الطبّاخ. الرسّام. القارئ. الفيسلوف. الأديب. الرياضيّ. المتأمل. المصلح الاجتماعيّ. الطبيب النفسيّ. المهندس المعماريّ. الأستاذ. الحكيم… و قائمة طويلة من الاهتمامات و المهن و التخصصات التي تميّز كلّ منّا عن الآخر. 

 هنا دعوة لتقبّل الذات. هنا دعوةٌ للتوقف عن المقارنات المرضيّة.
 هنا دعوة لتقبل النفس و الكفّ عن طمسها بجلد الذات. هنا دعوة لفلسفة كل أمر يعبر من خلالنا أو عبرنا.. للتوقف عن الخداع، و لمحاولة استرداد إنسانيتنا قبل أن يستعصي علينا الإجابة عن سؤال بسيط مثل: ما لونك المفضّل؟ فنجد أنفسنا نقف وقفة ضائع الهويّة لا لون لنا، ولا نعلّم ماذا نقصد بالمفضّل!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أزمة ثقة!

إدراجٌ تعريفيّ!

ماذا لو؟